الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

63

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

نفصل الآيات التي منها آية حالة الدنيا وتقضيها ، وندعو إلى دار السلام دار الخلد . ولما كانت جملة كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ [ يونس : 24 ] تذييلا وكان شأن التذييل أن يكون كاملا جامعا مستقلا جعلت الجملة المعطوفة عليها مثلها في الاستقلال فعدل فيها عن الإضمار إلى الإظهار إذ وضع قوله : وَاللَّهُ يَدْعُوا موضع ندعو لأن الإضمار في الجملة يجعلها محتاجة إلى الجملة التي فيها المعاد . وحذف مفعول يَدْعُوا لقصد التعميم ، أي يدعو كل أحد . والدعوة هي : الطلب والتحريض . وهي هنا أوامر التكليف ونواهيه . ودار السلام : الجنة ، قال تعالى : لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، وقد تقدم وجه تسميتها بذلك في سورة الأنعام [ 127 ] . والهداية : الدلالة على المقصود النافع ، والمراد بها هنا خلق الاهتداء إلى المقصود بقرينة قوله : مَنْ يَشاءُ بعد قوله : وَاللَّهُ يَدْعُوا المفيد التعميم فإن الدعوة إلى الجنة دلالة عليها فهي هداية بالمعنى الأصلي فتعين أنّ يَهْدِي هنا معناه إيجاد الهداية بمعنى آخر ، وهي حصول الاهتداء بالفعل ، أي خلق حصوله بأمر التكوين ، كقوله : فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [ الأعراف : 30 ] وهذا التكوين يقع إما في كل جزئية من جزئيات الاهتداء على طريقة الأشاعرة ، وإما بخلق الاستعداد له بحيث يقدر على الاهتداء عند حصول الأدلة على طريقة المعتزلة وهما متقاربان في الحال ، وشؤون الغيب خفية . وقد تقدم شيء من ذلك عند قوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [ الفاتحة : 6 ] . والصراط المستقيم : الطريق الموصل . [ 26 ] [ سورة يونس ( 10 ) : آية 26 ] لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 26 ) هذه الجملة بدل اشتمال من جملة وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ يونس : 25 ] لأن الهداية بمن يشاء تفيد مهديا وغير مهدي . ففي هذه الجملة ذكر ما يشتمل عليه كلا الفريقين ، ولك أن تجعلها بدل مفصّل من مجمل . ولما أوقع ذكر الذين أحسنوا في جملة البيان علم السامع أنهم هم الذين هداهم اللّه إلى صراط مستقيم وأن الصراط المستقيم هو العمل الحسن ، وأن الحسنى هي دار